ملتقى الحنفية
مرحبا بك في ملتقى الحنفية

نشأة المذهب الحنفي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نشأة المذهب الحنفي

مُساهمة  دكتور عبد الرحمن الأزهري في الثلاثاء مايو 25, 2010 10:39 am

نشأة المذهب الحنفي :
ليس المذهب الحنفي الذي تلقته الأجيال ، وتدارسه العلماء ، وخرجوا المسائل على ما استنبط من أصوله ، ليس هو مجرد أقوال الإمام أبي حنيفة وحده ، ولكنه أقواله وأقوال أصحابه ، وإن شئت فقل أقوال مدرسة أبي حنيفة التي كانت بالكوفة ، ثم انتقلت بعد موته على يد تلميذيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن إلى بغداد ( ).
فالمذهب الحنفي يتميز بوجود عدد من التلاميذ المجتهدين الذين شاركوا الإمام في تأسيس هذا المذهب ، ومن أهم هؤلاء التلاميذ: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وزفر بن الهذيل ، والحسن بن زياد اللؤلؤي .
ومما لا شك فيه أن للإمام أبي حنيفة - رحمه الله - يداً طولي ، وفضلاً كبيراً على الفقه الإسلامي ، إذ هو الذي اهتم بتحرير مسائله ، ووضع الكتب مرتبة على أبوابه ، قال أبو المؤيد الخوارزمي : " أبو حنيفة أول من دون علم الشريعة ورتبه أبوابًا ، ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب الموطأ ، ولم يسبق أبا حنيفة في ذلك أحد ، لأن الصحابة  والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابًا مبوبة ، ولا كتبًا مرتبة ، وإنما كانوا يعتمدون على قوة حفظهم ، فلما رأى أبو حنيفة العلم منتشرًا ، خاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه ، فدونه وجعله أبوابا مبوبة ، وكتبًا مرتبة ، فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة ... ، ثم بسائر العبادات ، ثم المعاملات ، ثم ختم الكتاب بالمواريث " ا.هـ( )
ثم سلك إمام دار الهجرة مالك بن أنس مسلكه في ترتيب الموطأ على الأبواب ، ثم نحا نحوه تلميذه عبد الرزاق بن همام اليماني في مصنفه ، ثم قفا أثره تلميذ تلاميذه أبو بكر ابن أبي شيبة في مصنفه فجمع وأوعى( ).
وقد قيل إن العلم زرعه ابن مسعود وسقاه علقمة وحصده إبراهيم وداسه حماد وطحنه أبو حنيفة وعجنه أبو يوسف وخبزه محمد بن الحسن فكل الناس يأكل من خبزه ، وأبو حنيفة وارث علم الصحابي الجليل ابن مسعود  .
وقبل الحديث عن مذهب الإمام لابد من الوقوف على جانب من حياته ، والتعرف على شخصيته ، من خلال النقاط الآتية .
أولاً : نسب الإمام أبي حنيفة .
اتفق من ترجموا للإمام أبي حنيفة على أن اسمه النعمان بن ثابت ، ولكن وقع الاختلاف في والد ثابت ، هل هو زوطي أو المرزبان ؟ وسبب هذا الاختلاف هو اختلاف الرواية عن حفيديه ، فبينما يروي لنا حفيد الإمام عمر بن حماد بن أبي حنيفة أن نسب الإمام هو النعمان بن ثابت بن النعمان ( ) ، يروي حفيده الآخر إسماعيل بن حماد أن نسبه هو النعمان بن ثابت بن زُوطَيِّ ( ) - بضم الزاي وفتح الطاء على المشهور ( ) ، وحقق الفيروزبادي أنه بفتح الزاي والطاء مثل سَكْرَى - ( ) ، ووقع كذلك الاختلاف في اسم الجد الثاني لأبي حنيفة ، فروى إسماعيل أنه المرزبان ، وروى عمر أنه ماه ، والتوفيق بين الروايتين ممكن ، بأن يكون لكل واحد منهما اسمان ، أو اسم ولقب ، أو أن معنى زوطي النعمان ، والمرزبان معناه ماه ( ) ، ومع هذا الاختلاف الواقع في نسبه - رحمه الله - ، اتفقوا على تكنيته بأبي حنيفة ، واشتهر بهذه الكنية حتى غلبت على اسمه ، وقد اختلفوا في سبب تكنيته بهذه الكنية ، فقيل : إن حنيفة مؤنث حنيف ، وهو الناسك أو المسلم ، لأن الحنف : الميل ، كما في قوله تعالى : {ملة إبراهيم حنيفا}أي مائلا إلى الدين الحق ، وسبب تكنيته بهذه الكنية ملازمته العبادة والورع ، وقيل سبب تكنيته بهذه الكنية ملازمته للدواة المسماة حنيفة بلغة العراق ، وأما ما قيل من أن الإمام كانت له بنت تسمى بذلك ، فليس بموثوق به ، لأنه لم يرو لنا التاريخ أنه كان له ولد ذكر أو أنثى غير حماد ( ).
ثانيًا : مــــــــولـده .
وقع الاختلاف أيضًا في سنة مولد أبي حنيفة ، فقد روى الخطيب من طريق مزاحم بن داود بن علية أنه كان يذكر عن أبيه أو غيره أنه ولد سنة إحدى وستين ، ثم علق الخطيب على هذه الرواية قائلا : لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا( ).
وذكر ابن حبان في الضعفاء والمتروكين أن ميلاده سنة سبعين ( )، وكذا ذكره ابن السمعاني في الأنساب ( ) ، وذكر الحافظ عبد القادر القرشي في ميلاده ثلاث روايات وهي : سنة إحدى وستين ، وسنة ثلاث وستين ، وسنة ثمانين ( ) ، وكذا حكى البدر العيني في تاريخه الكبير ثلاث روايات أيضا ، وهي سنة إحدى وستين ، وسنة سبعين ، وسنة ثمانين ( ) ، وذكر الخطيب رواية أخرى أنه ولد سنة ثمانين ( ) ، ومن خلال هذه الروايات يتحصل في ميلاد أبي حنيفة أربعة أقوال هي : سنة إحدى وستين ، وسنة ثلاث وستين ، وسنة سبعين ، وسنة ثمانين .
وقد اشتهر القول بأنه ولد سنة ثمانين ، حتى قال ابن عبد البر : " وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين ( ) ، ولعل ابن عبد البر لم يطلع على تلك الروايات الأخرى - السابقة - ، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق ، فحال ذلك دون التوسع في معرفة الروايات الشرقية ( ) ، والأكثرون على أن مولد الإمام كان سنة ثمانين ، ترجيحا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد ، وأقدمها في الوفيات ، أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو بالانقطاع ( ).
وسبب الاختلاف في ذلك ، هو أن الاختلاف في مواليد رجال الصدر الأول كان شديدًا ، لتقدم عصرهم على عصر تدوين تواريخ الرجال ، ونجد مصداق ذلك في وفيات الصحابة ، فضلاً عن مواليدهم ( ).
ولكن مع اشتهار القول بأنه ولد سنة ثمانين ، نجد أن للشيخ الكوثري رأياً آخر في هذا الأمر فيقول : " وهنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون ، منها : ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار المتوفى سنة ( 331 هـ ) في جزئه الذي سماه « ما رواه الأكابر عن مالك » حيث عد حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر ، فساق حديثًا بطريق حماد عن مالك ، وحماد هذا توفى قبل مالك بنحو ثلاث سنين ، لكن عده من الأكابر بالنظر إلى مالك ، لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك ، فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة ، قبل سنة ثمانين بمدة لا تقل عن عشر سنين ، ليصح أن يكون ميلاد ابنه حماد قبل ميلاد مالك ، وابن مخلد من الحفاظ البارعين ، فلا يحيد عن التحقيق فيما يكتب ، ومنها : ما روى العقيلي( ) في ترجمة حماد بن أبي سليمان ، من أن إبراهيم النخعي لما مات ، اجتمع خمسة من أهل الكوفة ، فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة ، فجمعوا نحو أربعين ألف درهم ، ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان ، ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم ، ووفاة إبراهيم كان سنة خمس وتسعين ، ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين ، لكانت سنه حينئذ خمس عشرة سنة ، ومن في مثل هذه السن لا يتصور أن يهتم هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي ، بل لابد وأن يكون القائمون بهذا الأمر من كبار تلامذة التخعي ، فلابد بالنظر إلى مشاطرة أبي حنيفة لهؤلاء في ذلك ، أن تكون سنه أكبر من هذا السن ، وما يقال من أن الشافعي بلغ درجة الاجتهاد في مثل هذه السن ، فمما يتساهل فيه ، وإلا ما صح أن يلازم مالكًا ولا محمد بن الحسن في العلم ، بعد أن بلغ أربعًا وثلاثين سنة يحمل العلم عنه ، ومنها : أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه ، كان جدليًا يشتغل بعلم الكلام ، حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر القدرية وغيرهم ، ثم انصرف إلى الفقه ، ومن تكون سنه عند وفاة النخعي خمسة عشرة عامًا ، لا يمكن له الاشتغال الطويل بالجدل ، قبل انصرافه إلى الفقه ، فيترجح لهذه الأسباب وغيرها أن ميلاده قبل سنة ثمانين ، ولعل الأرجح في سنة ميلاده هو سنة سبعين والله أعلم " ا.هـ( )
ورجح قوم آخرون الروية التي تفيد أنه ولد سنة إحدى وستين ، فألف أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي ، وأبو الحسين النهفقي ، وأبو معشر الطبري ، وأبو بكر السرخسي ، في رواية أبي حنيفة لأحاديث عن جملة من الصحابة ، اعتمادًا على هذه الرواية ، والثلاثة الأول من روايات ابن حجر في المعجم المفهرس ، وابن طولون في المعجم الأوسط ، والأخير من مرويات سبط بن الجوزي في الانتصار والترجيح ( ).
وقرر ابن عبد البر روايته عن ابن جزء الزبيدي في جامع بيان العلم وفضله ، قال أبو الوفا الأفعاني : " ولا يصح هذا إلا بصورة ولادته سنة إحدى وستين " ا.هـ ( )
قلت : ولكن رواية ابن عبد البر لا تؤيد أنه ولد سنة إحدى وستين ، لأن الحارث بن جزء اختلف في وفاته ، فقيل مات سنة ست وثمانين ، وقيل مات سنة تسع وتسعين ، ولعل الثاني هو الصواب ، فيكون عمر أبي حنيفة على رواية الثمانين تسعة عشر عامًا ، وعلى رواية السبعين تسعة وعشرين عامًا ، ثم إن افتراض كون أبي حنيفة ولد سنة سبعين ، واعتباره هو الأرجح لا يفيد هنا شيئًا ، لأن الغاية من إثباته هو كونه من التابعين ، وإن من أتباع التابعين من هو أفضل وأعلم من التابعين ، فكون الإمام ليس من التابعين لا يضره شيئًا ، مع أن مولده سنة ثمانين لا يمنع كونه تابعيًا ، لأنه رأي أنس بن مالك باتفاق ، وحديثه عن ابن جزء ثابت عند ابن عبد البر ، وهو صحابي ولقاؤه به ممكن ، فقد صح أنه مات سنة تسع وتسعين ، ومع ما ذكره العلامة الكوثري ، يرى الشيخ الفاضل محمد أبو زهرة ، أن هذه الرواية أيضًا - أي كونه ولد سنة إحدى وستين - لا تتفق مع نهاية حياته ، إذ إن المتفق عليه أنه لم يمت قبل سنة خمسين ومئة ، والأكثرون على أنه مات بعد أن أنزل به المنصور المحنة لتولي القضاء ، وعلى رواية أنه ولد سنة إحدى وستين ، يكون إنزال المحنة به وهو في سن التسعين ، ومن كان في هذه السن لا يعرض عليه هذا العمل الخطير ، ولو عرض عليه لكان أدنى الحجج إلى طرف لسانه ، هو تلك الشيخوخة الفانية ، ولكن لم يذكر في أي خبر أو رواية أنه اعتذر بهذا ، فلا تستقيم هذه الرواية مع النهاية التي ذكرها المؤرخون له  ( ).
قلت : ومن خلال ما سبق يتضح أن الأكثرية على أنه ولد سنة ثمانين للهجرة ، والأرجح أنه ولد سنة سبعين ، وما عدا هاتين الروايتين بعيد عن التحقيق .
ثالثًا : نشـــأته .
ولد الإمام أبو حنيفة في الكوفة ، وهي إحدى حواضر العراق يومئذ - ذلك البلد الذي يرزخ تحت نير الاستعمار الأمريكي الغاشم ، والذي يعز على كل مسلم صادق الإيمان ، ما يجري لإخوانه المسلمين في هذا البلد ، الذي تخرج فيه أئمة الإسلام وعلماؤه الكرام - والكوفة مدينة أنشأها سعد بن أبي وقاص  ، بأمر من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  ، وولاه عمر عليها ، وظلت هذه المدينة تابعة لدولة الخلافة ، حتى انتقل الأمر لعلي بن أبي طالب  ، فنقل الخلافة إليها ، ومنذ ذلك الحين بدأ نجمها يلمع .
وتمتاز الكوفة بأنها إحدى المدن التي نزح إليها ، واستقر بها عدد كبير من الصحابة الكرام  ، ذكرهم ابن سعد في طبقاته ، وقد بلغ عددهم عنده ثلاثا وخمسين ومائة ، ويأتي على رأسهم عبد الله بن مسعود  ، وهو أول من أسس مدرسة الكوفة ، في المسجد الذي بنى داره بجواره ، حينما أرسله عمر معلمًا ، وأرسل معه عمار بن ياسر أميرًا ، وقد تتلمذ عليه عدد كبير من التابعين ، منهم علقمة والأسود ومسروق وشريح وعبيدة السلماني وغيرهم ، وورث علم هؤلاء جميعًا إبراهيم بن يزيد النخعي ، الذي قال فيه ابن المديني : كان عندي من أعلم الناس بأصحاب عبدالله  ( ) ، وورث علمَ النخعي حمادُ بن أبي سليمان ، حتى عده العلماء أنه من أفقه أصحاب إبراهيم ، وحماد هذا هو أستاذ شيخنا أبي حنيفة الذي به تخرج ، وعلى يديه تعلم ، والذي لازمه كظله حتى مات ، فورث مكانه وجلس مجلسه .
وقد ولد الإمام أبو حنيفة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، وامتد به العمر حتى شاهد سقوط الخلافة الأموية على بد العباسيين ، وانتقال الخلافية إليهم ، ونظراً لأن الإمام كان في بحبوحة من العيش ، فقد اتجه في بداية حياته إلى الاشتغال بالتجارة ، ولم يكن يختلف إلى العلماء كثيرًا ، حتى لمح فيه بعض العلماء مخايل الذكاء والعقل الفطن ، فضن به أن لا يكون له نظر في العلم ، فأوصاه بأن يختلف إلى العلماء كما يختلف إلى الأسواق ، فيروي لنا المكي أن أبا حنيفة قال : مررت يومًا على الشعبي وهو جالس فدعاني ، فقال لي : إلى من تختلف ؟ فقلت : إلى السوق ، فقال : لم أعن الاختلاف إلى السوق ، عنيت الاختلاف إلى العلماء ، فقلت له : أنا قليل الاختلاف إليهم ، فقال لي : لا تغفل وعليك بالنظر في العلم ، ومجالسة العلماء ، فإني أرى فيك يقظة وحركة ، قال : فوقع في قلبي من قوله ، فتركت الاختلاف إلى السوق ، وأخذت من العلم فنفعني الله بقوله ( ).
ولكن انقطاع أبي حنيفة للعلم لم يمنعه من التجارة ، بل كان صاحب متجر واسع يدر عليه دخلا كبيرًا جعله من الأثرياء ، ولكن إلى أي فريق اتجه أبو حنيفة ؟ هل إلى حلقة المتكلمين ، أو إلى حلقة المحدثين ، أو إلى حلقة الفقهاء ؟ الروايات التي بين أيدينا اختلفت ، فبينما إحدى الروايات تذكر أنه عندما تفرغ لطلب العلم ، اتجه إلى الفقه بعد أن استعرض العلوم المعروفة في هذا العصر ، تذكر الروايات الأخرى أنه أختار أولاً علم الكلام والجدل مع الفرق ، ثم صرفه الله إلى الفقه فاتجه بكليته إليه ، وقد شكك كثير من المحققين في هذه الرواية الأولى ، التي تذكر أنه استعرض العلوم ثم اختار منها الفقه ، فيقول الذهبي بعد أن أورد هذه الحكاية : " إنها مختلقة وفي إسنادها من ليس بثقة ، ثم ناقشها قائلا : " قلت : من طلب العلم للرئاسة قد يفكر في هذا ، وإلا فقد ثبت قول المصطفى  « خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ »( ) ، يا سبحان الله ! وهل محل أفضل من المسجد ؟ وهل نشر العلم يقارب تعليم القرآن ؟ كلا والله ، وهل طلبةٌ خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب ؟ وأحسب هذه الحكاية موضوعة ، ففي إسنادها من ليس بثقة " اهـ ( )
ويقول الدكتور محمد يوسف موسى : " ومن المستبعد أن يكون أبو حنيفة نفعيا لهذه الدرجة ، فيرفض الاشتغال بغير الفقه ، كالقرآن والحديث والنحو ، لأنه لا جدوى من دراستها تعود عليها ، ولأن لبعضها مغبة يخشاها ، كذهاب رياسته إن اشتغل بالقرآن وحفظه ، وخرج من تلاميذه من يفوقه في الحفظ أو يساويه فيه ، مع أنهم قد أجمعوا على تقواه ، وورعه ، وزهده ، وانصرافه عن الرياسات " اهـ( )
وقال الشيخ أحمد مختار رمزي : " وكيف يطلب أبو حنيفة الفقه آملا أن يصبح مفتيا وأن يطلب للقضاء ، وقد تواتر أنه رفض القضاء مرتين " ا.هـ( )
ولكن الشيخ أبو زهرة بعد أن أورد الحكايات الثلاث ، حاول التوفيق بينها ، ولم يرد هذه الرواية التي شاعت نسبتها إليه ، والتي ردها المحققون كما ذكرنا آنفًا ( ).
ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمام تثقف بالثقافات الموجودة في عصره ، فحفظ القرآن على قراءة عاصم ، وعرف قدرًا من الحديث ، وقدرًا من النحو والأدب والشعر ، وتعلم الجدل والمناظرة في مسائل الاعتقاد ، وكان يرحل لهذه المناقشات إلى البصرة وغيرها ، حتى بلغ في هذا المجال شأوًا عظيمًا ، وصارت له فيه طريقة ، ثم حدث للإمام أبي حنيفة موقف غير مجرى حياته ، ونقله من الاشتغال بالمناظرات الكلامية والجدل ، إلى مصاف الفقهاء الكبار ، الذين دونت آراؤهم بأحرف من نور ، وهذا ما يحكيه لنا أبو المؤيد المكي ، حيث روى بسنده إلى زفر بن الهذيل قال : " سمعت أبا حنيفة يقول : كنت انظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلى فيه بالأصابع ، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان ، فجاءتني امرأة يومًا فقالت : رجل له امرأة وأمة ، أراد أن يطلقها للسنة كيف يطلقها ؟ فلم أدر ما أقول ، فأمرتها أن تسأل حمادًا ثم ترجع فتخبرني ، فسألت حمادًا فقال : يطلقها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقه ، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين ، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج ، فرجعت فأخبرتني ، فقلت : لا حاجة لي في الكلام ، وأخذت نعلي وجلست إلى حماد ، فكنت أسمع مسائله فأحفظها ، ثم يعيدها من الغد فأحفظ ويخطئ أصحابه ، فقال : لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة ، فصحبته عشر سنين ، ثم إني نازعتني نفسي لطلب الرياسة ، فأحببت أن أعتزل وأجلس في حلقة لنفسي ، فخرجت يومًا بالعشى وعزمي أن أفعل ، فلما دخلت المسجد فرأيته لم تطب نفسي أن اعتزله ، فجئت فجلست معه ، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له ، قد مات بالبصرة وترك مالاً ، وليس له وارث غيره ، فأمرني أن أجلس مكانه ، فما هو أن خرج حتى وردت على مسائل لم أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابي ، فغاب شهرين ثم قدم ، فعرضت عليه المسائل وكانت نحوًا من ستين مسألة ، فوافقني في أربعين ، وخالفني في عشرين ، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت ، فلم أفارقه حتى مات " ا.هـ( )
وقد لازم أبو حنيفة حماداً ثمانية عشر عامًا كما روى الخطيب ( ) ، وعلى هذا فقد تتلمذ أبو حنيفة على يد حماد وهو في الثانية والعشرين من عمره ، لأن حمادًا مات سنة عشرين ومئة ، وأبو حنيفة ولد سنة ثمانين ، ولازمة ثماني عشرة سنة ، فتكون الملازمة بدأت وأبو حنيفة في الثانية والعشرين ، أو في الثانية والثلاثين من عمره على الرواية القائلة بأنه ولد سنة سبعين .
وعلى كل حال يبدو هنا سؤال ، هل هذه الملازمة كانت تامة ، بحيث انقطع أبوحنيفة إلى حماد ولم يأخذ عن غيره ؟
يقول الشيخ أبو زهرة : " فالمتتبع لحياة أبي حنيفة يرى أنها لم تكن ملازمة تامة ، فقد كان أبو حنيفة كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام حاجًا ، وفي مكة والمدينة التقى بالعلماء ، ومنهم كثيرون من التابعين ، ولم يكن لقاؤه بهم إلا لقاءًا علميًا ، يروي عنهم الأحاديث ويذاكرهم الفقه ، ويدراسهم ما عندهم من طرائقه ، وإن المذكور في أخباره وتاريخه أن مشايخه عددهم كبير ، ومن هذا يتبين أنه كان مع ملازمته لشيخه حماد ، قد لاقى غيره من الفقهاء والمحدثين ، وكان يتتبع التابعين أينما كانوا وحيثما ثقفوا ، وخصوصًا الذين اتصلوا بالصحابة الذين كانوا ممتازين في الفقه والاجتهاد ، حتى لقد قال : « تلقيت فقه عمر وفقه على  وفقه ابن مسعود  وفقه ابن عباس  عن أصحابهم » ، وما كان هذا التلقي بمستقيم له إن كانت دراسته قاصرة على حماد وملازمته له وحده " ا.هـ( )
وبعد أن أخذ أبو حنيفة رحمه الله من صنوف العلم ما طاب له ، وبلغ أشده واستوى على سوقه ، مات شيخه حماد ، فجلس مكانه بإجماع أصحاب حماد ، ومن هنا بدأ نجمه يلمع ، حتى سارت بذكره الركبان ، وقصده طلاب العلم من كل مكان ، ينهلون من فيضه ويتتلمذون على يديه ، فوضع الأصول وصار له مذهب خاص به ، وتلاميذ يدونون تلك الأصول والقواعد .
رابعًا : شيـوخه .
سبق وأن ذكرنا أن الإمام أبا حنيفة ولد وترعرع في العراق ، وكانت يومئذ حاضرة من حواضر العلم ، ولاسيما الكوفة التي كانت محط أنظار العلماء ، ونزلها كثير من الصحابة  ينشرون العلم النبوي الذي حملوه ، ويبثونه في أهل الكوفة ، وعلمنا أن الإمام تتلمذ على يد حماد ، وأخذ عنه جل علمه ، ولكن مع ذلك تتلمذ الإمام على شيوخ كثيرين ، أو صلهم البعض إلى أربعة آلاف ، ونقتصر هنا على أشهرهم وهم .
نافع مولى ابن عمر ، هشام بن عروة ، يحيى بن سعيد الأنصاري ، محمد بن شهاب الزهري ، إبراهيم بن يزيد النخعي ، أيوب السختياني ، جعفر الصادق ، حميد بن قيس الأعرج ، ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي ، سالم بن عبد الله بن عمر ، زيد بن علي بن الحسين ، سليمان بن مهران الأعمش ، طاوس بن كيسان ، عاصم بن سليمان الأحوال ، عاصم بن بهدلة القارئ المشهور ، عامر بن شراحيل الشعبي ، عبد الله بن دينار ، مولي ابن عمر ، عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عطاء بن أبي رباح ، عطاء بن السائب ، عطاء بن يسار الهلالي ، عكرمة مولى ابن عباس ، عمرو بن دينار ، عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو ، وأبو إسحاق السبيعي ، قتادة بن دعامة السدوسي ، مجاهد بن جبر ، مقسم مولى ابن عباس  ، مكحول الشامي ، منصور بن المعتمر ( ).
خامسًا : تـلاميـذه .
لما لمع نجم الإمام ، وسارت بذكره الركبان ، اختلف إليه طلاب العلم من كل مكان ، ولكنهم كانوا على طبقات ، حسب السبق إليه للأخذ عنه ، وهم كثيرون ، ولكن اشتهر منهم جماعة ، اختصهم الشيخ من بين تلامذته ، فدونوا مذهبه ونقلوا أصوله وقواعده ، وتدارسوا العلم معه ، فخالفوه أحيانًا ، ووافقوه غالبًا ، ومن أشهر هؤلاء التلاميذ :
1ـ أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي :
ولد سنة ثلاث عشرة ومئة ، ونشأ فقيرًا تضطره الحاجة لأن يعمل ليأكل ، وتدفعه الرغبة في العلم لأن يستمع إلى العلماء ، حتى إذا لمح أبو حنيفة ذلك فيه ، أمده بالمال فانصرف إلى طلب العلم ، وكان يجلس أولاً إلى ابن أبي ليلى ، ثم انقطع إلى أبي حنيفة ، ويظهر أنه كان أثناء حياة أبي حنيفة أو بعد وفاته ، يتصل بالمحدثين ويتلقى عليهم ، فكان ذلك سببا جعله يؤيد آراءه بالحديث ، حتى عده المحدثون أحفظ أصحاب أبي حنيفة ، وقد دون أبو يوسف كتبا جمع فيها آراءه وآراء شيخه ، منها : الآثار ، والخراج ، والرد على سير الأوزاعي ، واختلاف ابن ليلى ، والرد على مالك بن أنس ، وكتاب الجوامع وغيرها .
وقد تخرج أبو يوسف بأبي حنيفة ، وتولى القضاء للمهدي ، ثم للهادي ، ثم للرشيد ، فكان توليه للقضاء سببًا في نشر المذهب الحنفي ، لأنه أصبح مذهب دولة الخلافة بتولي قاضي قضاتها ، وهو تلميذ أبي حنيفة القضاء ، وكان لا يعين قاض في دولة الخلافة من شرقها لغربها ، إلا بمشورة ورضا أبي يوسف قاضي القضاة ، وكان حتمًا يعين تلاميذه وأصحابه الأحناف ، فكانت له منة على مذهب أبي حنيفة ويد بيضاء ، وقد توفى أبو يوسف سنة 182 هـ فرحمه الله رحمة واسعة ( ) .
2ـ محمد بن الحسن أبو عبد الله الشيباني :
ولد سنة اثنتين وثلاثين ومئة ، ومات سنة تسع وثمانين ومئة ، وقد كانت سنه يوم مات أبو حنيفة نحو الثامنة عشرة ، فهو لم يتلق عن أبي حنيفة فترة طويلة ، ولكنه أتم دراسته لفقه العراق على أبي يوسف ، وتتلمذ على يد الأوزاعي والثوري ، ورحل إلى مالك فروى عنه الموطأ ، فجمع بين الرواية والدراية ، وكان على علم واسع باللغة والأدب ، وولي القضاء للرشيد ، وقد اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من أصحاب أبي حنيفة غير شيخه أبي يوسف ، إذ قد تلقى فقه العراق عن أبي يوسف ، ثم تلقى فقه الحجاز عن شيخ المدينة مالك ، ثم فقه الشام عن الأوزاعي ، وكان ذا مهارة في الحساب ، ويملك عنان البيان ، ثم تمرس بالقضاء .
وإذا كان لأبي يوسف منة على الفقه الحنفي ، في نشره للمذهب ، وصبغه بالصبغة الرسمية ، فلمحمد منة أخرى ، إذ هو بحق ناقل فقه العراقيين ، ولولا كتبه لضاعت كثير من آراء الإمام أبي حنيفة ، فكتبه تعد المرجع الأول لفقه أبي حنيفة ، ومن هذه الكتب الجامع الصغير ، والجامع الكبير ، والمبسوط ، والزيادات ، والسير الصغير والسير الكبير ، وكتاب الآثار ، والرد على أهل المدينة ( ).
3ـ زفـــــــــر بن الهــذيــل : وهو من أقدم أصحاب أبي حنيفة فقد توفى سنة خمس وثمانين ومئة ، عن ثمان وأربعين سنة ، وكان أحدَّ أصحاب أبي حنيفة قياسًا ، ولم تؤثر عنه كتب ، ولا عرفت له رواية عن أبي حنيفة ، وقد ولي قضاء البصرة في حياة شيخه ، وكانوا على عداوة مع أهل الكوفة ، فما زال بهم حتى نشر فيهم فقه أبي حنيفة ، وقد كان أكبر أصحاب الإمام ، وهو الذي خلفه في حلقته بعد وفاته ، حتى مات فخلفه أبو يوسف( ).
هؤلاء هم أشهر تلاميذ الإمام ، ولكن مع ذلك فإن للشيخ تلاميذ آخرين ، لكن لم يشتهروا شهرة هولاء ، منهم الحسن بن زياد اللؤلؤي مات سنة أربع ومئتين ، وقد تولى قضاء الكوفة سنة أربع وتسعين ومئة ، وله كتب الأمالي والفرائض والخراج والنفقات وأدب القاضي وغيرها( ).
وأما الذين رووا عن الإمام من غير هؤلاء المشهورين ، الذين اعتنوا بتدوين أصول المذهب ، فصاروا أئمته وشيوخه ، فهم كثير جدًا أوصلهم الصالحي في عقود الجمان إلى ثمانمائة منهم : أسد بن عمرو البجلي ، وحماد بن أبي حنيفة ولد الإمام ، وداود الطائي ، وسهل بن مزاحم ، وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وزكريا بن أبي زائدة ، وأبو مطيع البلخي ، وسفيان الثوري ، ويونس بن أبي إسحاق ، وشريك القاضي ، والحسن بن صالح وعيسى بن يونس ، ووكيع بن الجراح ، ويزيد بن هارون ، وأبو إسحاق الفزاري ، وغيرهم كثيرون .
وروى عنه من الأكابر : سفيان بن عيينة ، ونافع المقرئ ، وعلى بن حمزة الكسائي ، ويحيى بن سعيد القطان ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعلي بن عاصم وغيرهم .
وروى عنه من زهاد خراسان : فضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، وشقيق البلخي ، وأبو يزيد البسطامي ، والمتوكل بن عمران وغيرهم( ).
سادسًا : أخلاق الإمام أبي حنيفة وثناء العلماء عليه .
إلى جانب ما رزق الله أبا حنيفة من فطنة وذكاء وفهم ، مما جعل العلماء يفدون إليه من كل مكان ، رزقه الله أيضًا خلقًا عظيمًا ، وكرم أخلاق لا مثيل له ، مما جعل العلماء تلهج ألسنتهم بالثناء عليه ، والإشادة بفضله وعلمه ، وحسن فهمه للأمور .
فها هو الإمام مالك إمام دار الهجرة على جلالة قدره ، يسأل عن أبي حنيفة ، فيقول : " رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته " ( ) ، وذلك لما اتسم به الإمام أبو حنيفة من قوة الحجة والإقناع ، ولذا وجدنا الإمام الشافعي يؤيد هذا المعنى ويؤكده ، فيقول : " الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة " ( ) ، ويقول أيضًا : " ما علمت أفقه من أبي حنيفة " ( )، وكان يقول كذلك : " أبو حنيفة ممن وفق له الفقه " ( ) ، والشافعي من أدري الناس بمذهب أبي حنيفة ، إذ تتلمذ على يد تلميذه محمد بن الحسن.
ويقول ابن المبارك : " كان أبو حنيفة آية ، فقال له قائل : في الشر يا أبا عبد الرحمن أو في الخير ؟ فقال : أسكت يا هذا ! فإنه يقال : آية في الخير وغاية في الشر ، ثم تلا قوله تعالى : {وجعلنا ابن مريم وأمه آية}( ) ( ).
وقال ابن عيينة : ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة ( ) .
وسئل يزيد بن هارون : من أفقه من رأيت ؟ فقال : أبو حنيفة ( ).
وسئل يحيى بن معين : كان يحيى بن سعيد القطان يقول : لا نكذب والله ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة ، وقد أخذنا بأكثر أقواله ( ) ، وقال يحيى بن معين : كان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين ، ويختار من قولهم قوله ، ويتبع رأيه من بين أصحابه ( ) ، ويحيى القطان جبل من جبال الجرح والتعديل ، وكذا ابن معين وهو الذي قال : القراءة عندي قراءة حمزة ، والفقه فقه أبي حنيفة ، على هذا أدركت الناس( ) ، والناس عند ابن معين ليسوا هم عوام المسلمين ، بـل هم العلماء والفقهاء والكبراء .
وعن روح بن عبادة قال : كنت عند ابن جريج سنة خمسين - أي ومائة - فأتاه موت أبي حنيفة ، فاسترجع وترجع وقال : أي علم ذهب( ) ، وقد مات ابن جريج في العام نفسه .
وروى ابن عبد البر بسنده عن عباس الدوري قال : سمعت ابن معين يقول : ما رأيت مثل وكيع ، وكان يفتي برأي أبي حنيفة ( ).
وقال ابن معين أيضًا : الفقهاء أربعة : أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي( ).
وقال عبد الرحمن بن مهدي فيما رواه الموفق المكي : " كنت نقالاً للحديث فرأيت سفيان الثوري أمير المؤمنين في العلماء ، وسفيان بن عيينة أمير العلماء ، وشعبة عيار الحديث ، وعبد الله بن المبارك صراف الحديث ، ويحيى بن سعيد قاضي العلماء ، وأبا حنيفة قاضي قضاة العلماء " ( ) ، فانظر كيف عده عبد الرحمن بن مهدي في مصاف كبار المحدثين وأئمتهم .
وقال الثوري : كان أبو حنيفة شديد الأخذ للعلم ، ذابًا عن حرم الله أن تستحل ، يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي كان يحملها الثقات ، وبالآخر من فعل رسول الله وبما أدرك عليه علماء الكوفة ، ثم شنع عليه قوم غفر الله لنا ولهم ( ).
وقال ابن عيينة : أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة بالكوفة أقعدني بالجامع ، وقال : هذا أقعد الناس بحديث عمرو بن دينار فحدثتهم ( ).
وروى ابن عبد البر بسنده قال رجل للحكم بن هشام : أخبرني عن أبي حنيفة ، فقال : على الخبير سقطت كان أبو حنيفة لا يرد حديثًا ثبت عنده عن رسول الله ( ).
وقال ابن المبارك : قدمت الشام على الأوزاعي فقال لي : يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكني أبا حنيفة ؟ قال : فرجعت إلى بيتي ، فأقبلت على كتب أبي حنيفة ، فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل ، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام ، فجئته بعد الثالث والكتاب في يدي ، فقال : أي شيء في هذا الكتاب ؟ فناولته فنظر في مسألة كتبت فيها قال النعمان بن ثابت ، فما زال قائمًا بعدما أذن حتى قرأ صدرًا منه ، ثم وضع الكتاب في كمه ، ثم أقام وصلى ثم أتى عليها ، فقال : يا خراساني من النعمان بن ثابت ؟ قلت : شيخ لقيته بالعراق ، فقال : هذا نبيل من المشايخ أذهب فاستكثر منه ، قلت : هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه ( ) ، قال ابن المبارك : ثم التقى أبو حنيفة والأوزاعي بمكة ، وكان بينهما اجتماع ، فرأيته يجاري أبا حنيفة في تلك المسائل التي كانت في الرقعة ، فرأيت أبا حنيفة يكشف من تلك المسائل بأكثر مما كتبت عنه ، فلما افترقا لقيت الأوزاعي بعد ذلك ، فقال : غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله ، واستغفر الله لقد كنت في غلط ظاهر ، الزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغنى عنه ( ).
وقال مسعر : ما رأيت أحدًا قط تكلم في الفقه أحسن منه ( ).
وقال جرير : قال لي المغيرة : جالس أبا حنيفة فإن إبراهيم لو كان حيًا لجالسه ( ).
وقال عبد العزيز بن أبي رواد : بيننا وبين الناس أبو حنيفة ، فمن أحبه وتولاه علمنا أنه من أهل السنة ، ومن أبغضه علمنا أنه من أهل البدعة ( ).
وقال يوسف بن خالد السمتي : كنت بالبصرة اختلف إلى عثمان البتي ، فقلت في نفسي : إني بلغت المبلغ وأخذت من العلم الحظ الأوفر ، وكان أبو حنيفة يوصف من علمه فارتحلت إليه ، فلما جلست إليه وعنده أصحابه تصاغرت إلى نفسي ، وكأني لم أسمع العلم إلا منهم ، وكأني كان على وجهي غطاء فانكشف( ) ، وقال : كان أبو حنيفة بحرًا لا ينزف عجيب الشأن ما رأيت مثله ولا سمعت بمثله ( ).
وقال على بن عاصم : العلم علم أبي حنيفة - يعني الفقه - ( ).
وقال يزيد بن هارون وعنده يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلى بن المديني : أهل العلم أصحاب أبي حنيفة وأنتم صيادلة ( ).
وقال الفضل بن موسى السيناني : كنا نختلف إلى المشايخ بالحجاز والعراق ، فلم يكن مجلس أعظم بركة ، ولا أكثر نفعًا من مجلس أبي حنيفة ( ).
وقال وكيع بن الجراح : ما لقيت أحدًا أفقه من أبي حنيفة وما رأيت أورع منه ( ).
وقال النضر بن شميل : كان الناس نيامًا فنبههم أبو حنيفة( ).
وقال شعبة لما مات أبو حنيفة : لقد طفئ عن أهل الكوفة نور العلم ، أما إنهم لا يرون مثله أبدًا ( ).
وهناك المزيد من الأقوال التي تفيض بالثناء ، على هذا العلم التقي النقي ، طيب الله ثراه ، وجعل الجنة مثواه ، من أراد الوقوف عليها ، فليراجع كتب المناقب التي أفردت الإمام بالتصنيف ، مثل مناقب المكي ، ومناقب الصالحي ، والخيرات الحسان ، والمقدمة التي كتبها أبو الوفا الأفغاني على آثار محمد بن الحسن ، وأبو حنيفة للشيخ أبي زهرة وغيرهم .
سابعًا : إلماعة إلى الخلفية التاريخية للعصر الذي نشأ فيه الإمام .
من خلال ما سبق علمنا أن الإمام أبا حنيفة ولد في عصر الدولة الأموية ، وبالتحديد في خلافة عبد الملك بن مروان ، وعاش إلى سنة 150 هـ ، وأدرك عهد العباسيين ، فهو قد أدرك العهد الأموي في عنفوانه وقوته ، ثم في تحدره وتهاويه ، وأدرك الدولة العباسية في نشاتها قوية ناهضة عنيفة مسيطرة .
وإذا كان أبو حنيفة قد عاش في العصرين ، وجب علينا أن نشير إشارة موجزة ، إلى الحياة السياسية والعلمية ، للعصرين الذين نشأ وعاش فيهما إمامنا أبو حنيفة .
أولـاً : الحيـاة السيـاسية :
كانت الخلافة بعد وفاة النبي -  - خلافة راشدة ، تقوم على مبدأ الاختيار والشورى ، فلما جاءت الدولة الأموية صارت ملكًا عضوضًا ، وإذا كان مؤسس هذه الدولة قد ارتضته طائفة كبيرة من المسلمين خليفة ، فبقية من حملوا اسم الخليفة من بعده ، لم يكن من حقهم أن يحسبوا أنهم ولوا أمر المسلمين باختيار حر من جماهير المسلمين ، ولذلك كانت الاضطرابات تتخلل عصور الدولة الأموية ، فهاهو الإمام الحسين  يخرج على يزيد بن معاوية ، وينتهي الأمر بقتله ، ويستبيح يزيد بن معاوية المدينة ثلاثة أيام ، وفي أواخر عهد الدولة الأموية ، خرج زيد بن على وابنه يحيى ، وابنه عبد الله بن يحيى ، وانتهى الأمر بقتلهم ، بل وكان لعن علي بن أبي طالب  أمرًا مقررًا عند أهل دمشق ومن والوهم ، حتى أبطله عمر بن العزيز  ، وكان الأمويون مع ذلك يستأثرون بالغنائم ، ويحرمون الموالي منها ، ويخصون العرب بما فضل منها ، مما أدى إلى كراهية هؤلاء الموالي للعرب جميعًا ، وكانت البلاد تموج بالفتن والشر ، وكانت تدبر المؤامرات ، وتحاك الدسائس ، حتى أودت تلك الدسائس ، وذهبت بريح الدولة الأموية ، وجاء العباسيون ليرثوا عرش الخلافة ، ويحلوا محل الأمويين .
ومع هذا الحكم الجائر ، وفي تلك الأثناء يفتح الإمام أبو حنيفة عينه على الدنيا ، ليرى حكم الأمويين في أقسى مظاهره ، متمثلاً في حكم الحجاج بن يوسف الثقفي طاغية بني أمية ، إذ قد مات الحجاج وأبو حنيفة في نحو الخامسة عشرة أو الخامسة والعشرين ، وقد كان بلا شك لهذا أثره في نفس ذلك الفتى المولى غير العربي ، وفي تقديره لحكم تلك الدولة ، والذي كان ينمو كلما كبر ، ورأى ما يفعلونه مع آل بيت رسول الله  الكرام  .
ولذا وجدنا الإمام لم يكن بمعزل عن سياسية عصره ، بل طالته يد الساسة ، فقد خرج زيد بن علي على هشام بن عبد الملك سنة 121 هـ ، وقال أبو حنيفة قولته المشهورة : ضاهي خروجه خروج رسول الله  يوم بدر ، وأرسل إلى زيد بن على عشرة آلاف درهم ، واعتذر له عن عدم خروجه معه ، وبهذا نرى انه كان يرى جواز الخروج على أئمة الجور ، إذا كانت هناك راية عدل تطالب بالرجوع إلى الحق ، فيقاتل الناس تحت لوائها ، وانتهت الثورة بقتل زيد بن على  ، فطلب والي العراق علماء العراق يومئذ ليختبر ولاءهم للدولة ، فجاء أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، فولى ابن هبيرة كل واحد منهم عملاً ، فقبلوا إلا أبا حنيفة فإنه امتنع ، فحلف ابن هبيرة أن يضربه لو امتنع ، فقال : لو أرادني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك ، فحبسه وضربه ضربًا شديدًا حتى تورم رأسه ، فاضطر ابن هبيرة إلى تخلية سبيله ، فهرب إلى مكة وأقام بها في سنة 130 هـ
فلما استقام الأمر للعباسيين ، ويويع للمنصور بالخلافة ، حضر إلى الكوفة ، واستقر بها ، وبايع للمنصور ، وكانت علاقته به طيبة ، وكان المنصور يكرمه ويعطيه العطايا الجزيلة ، فيردها في رفق وبحيلة ، وظل الأمر هكذا حتى بدأت بوادر الخروج تظهر ، إذ تنكر أبو جعفر للعلويين ، وطاردهم في كل مكان ، فخرج عليه النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن ، وأخوه إبراهيم فقتلوا ، وقد أحدث خروجهما زلزالاً كبيرًا في أوساط الدولة الإسلامية ، فرأينا مالك بن أنس يفتي الناس بجواز الخروج ، ومبايعة محمد بن عبد الله ، فلما ذكروا له بيعة أبي جعفر ، أفتاهم بأنهم بايعوا مكرهين ، فبايعه الناس لذلك .
وأما أبو حنيفة فكان يجهر بمناصرته في درسه ، بل وصل الأمر إلى أن ثبط أحد قواد المنصور عن الخروج لحرب محمد النفس الزكية ، وهو الحسن بن قحطبة ، فلما علم المنصور أنه يتردد على أبي حنيفة ، أراد أن يختبر ولاء أبي حنيفة للدولة ، ويتأكد مما تنقله إليه عيونه المترصدة ، وجاءت الفرصة سانحة للمنصور ، فقد كان يبني بغداد ، ويريد أن يجعله قاضيًا فامتنع ، وأصر المنصور أن يوليه عملاً له وحلف ، فحلف أبو حنيفة أن لا يتولى ، فولاه القيام بأمر البناء ، وضرب اللبن فتولى ذلك .
وبهذا استطاع أبو حنيفة أن يفوت الفرصة على المنصور ، وأن يغمض العيون المترقبة له ، فأغمض المنصور عينه عنه حتى حين ، إلى أن انتهى الأمر بتدبير المنصور حيلة للتخلص منه في سجنه ، فمات في السجن رحمه الله ( ).
ثـانيا : الحيـاة العـلمية .
ولد أبو حنيفة في الكوفة من أرض العراق ، وهي أرض اشتهرت بأنها تربي ذوى الآراء المختلفة الدينية والسياسية ، ونشا الإمام في بيئة تموج بالعلم والعلماء ، وتزخر بأصحاب المذاهب ، والمقالات الدينية المختلفة ، في الأسس والأهداف والغايات ، وكان من الطبيعي أن يتأثر أبو حنيفة بهذا الجو ، وأن تكون له المشاركة فيما يضطرب فيه من آراء وأفكار .
وقد كان ذلك العصر عصر تفاعل المنهج العقلي والنقلي ، وكان العراق مهد أبي حنيفة ومجال حياته وتفكيره ، أهم المراكز العلمية ، وكان وارث الحضارات القديمة ، وبجانب هذه الخاصية للعراق ، كان مهد أهل الرأي ، أو أصحاب المنهج العقلي ، وبهذا كان واجب الإمام الذي نهج منهجًا علميًا متينًا ، أن يهتم بما يتعلق بأصول الدين أولاً ، وأن يعرف ما عليه أصحاب الفرق من الأهواء والآراء والأفكار ، وانتقل فعلاً بعد ممارسة الكلام إلى الفقه ، لا كارهًا للكلام ، وإنما بعد أن بلغ فيه الغاية ، فوجه عنايته إلى فن آخر فأبدع فيه ، وليس من الضروري أن يقتصر العالم على فن واحد ، ولذا رأيناه يكتب وصيته في علم الكلام ، وهو على فراش الموت ، مما يدل على أنه لم يكن ترك الكلام فيه ، وأيضًا كانت له محاورات فقهية مبنية على أصول كلامية ، ومن خلال ما سبق يتضح تأثر الإمام بالبيئة العلمية التي نشأ فيها وأثر هو فيها ، ولكن لم يقتصر تأثيره على بيئته وأرضه وموطنه ، بل كان يخرج إلى الحج ، وخرج إلى البصرة ، وذهب للمدينة ، وكانت المناظرات في ذلك الحين على أشدها ، فشارك الإمام فيها ، ونزل إلى أرض الواقع ، فناظر الخوارج ، وأهل الأهواء ، وناظر مالك والأوزاعي .
وقد امتاز ذلك العصر باتجاه العلماء إلى تدوين العلوم ، فأخذت العلوم تتميز ، وصار كل علم له علماء اختصوا به ، يتفتتون فيه ويضبطون قواعده ، فأخذ الفقهاء والمحدثون في تدوين الفقه والحديث ، في آخر العصر الأموي ، فكان فقهاء الحجاز يجمعون فتاوى ابن عمر وابن عباس والسيدة عائشة  ، ومن جاء بعدهم من كبار التابعين في المدينة المنورة ، فينظرون فيها ، ويستنبطون منها ، ويفرعون عليها ، وكان فقهاء العراق يدونون فتاوى ابن مسعود  ، وقضايا على  وفتاواه ، وقضايا شريح وغيره ، وكانوا يستخرجون منها ويستنبطون ، فلما جاء العصر العباسي ، اتسعت آفاق التدوين في الحديث والفقه ، ترتيبًا وتبويبًا ، فكأن هذا العصر كان نواة لما تلاه من العصور .
ثم قد امتاز هذا العصر أيضًا باتساع العلماء في جانب النقد ، من أجل الوصول إلى الحق ، فكانت المناظرات على أشدها ، حتى بين أهل السنة أنفسهم ، فتناظر أبوحنيفة مع الأوزاعي ومع مالك ، وكان يذهب إلى الخوارج فيناظرهم في عقر دارهم ، وكل هذا كان له الأثر الأكبر في اتساع مدارك الإمام ونضجه الفقهي ( ).
ثـامنًا : وفــــاته .
بعد حياة حافلة بالعلم والفقه والورع والتقوى والزهد ، رحل الإمام عن دنيا الناس ، تاركًا خلفه تراثا تليدًا ، وتلاميذ أجلاء ، ومدرسة فقهية متكاملة الأركان ، ومذهبًا فقهيًا متبعًا ، منذ عهده وإلى يوم الناس هذا .
وقد اختلف العلماء في الشهر الذي مات فيه ، والعام الذي مات فيه ، وسبب وفاته .
أما عن شهر وفاته فقيل : رجب ، وقيل : شعبان ، وقيل : نصف شوال ، ولكن المعتمد أنه مات في رجب ، قال أبو المؤيد : " أكثر الروايات المعتمد عليها أن وفاته كانت في رجب " ا.هـ( )
وأما عن العام الذي مات فيه ، فالمتفق عليه أنه مات سنة خمسين ومائة ، ولكن حكى أنه مات سنة إحدى وخمسين ومائة ، ولكنهم غلطوا قائله ( ).
وأما سبب وفاته ، فالمشهور أن الإمام حبس على القضاء ، وضرب في آخر حياته إلى أن مات ، وهذا الحبس والضرب لم يكن كما قال الهيتمي في الخيرات الحسان على تولي القضاء ، لأن الامتناع عن القضاء لا يوجب للمنصور أن يقتله هذه القتلة الشنيعة ، وإنما السبب في ذلك أن بعض أعداء أبي حنيفة دس إلى المنصور ، أن أبا حنيفة هو الذي أثار عليه إبراهيم بن عبد الله العلوي ، فخاف خوفًا شديدًا ، وأنه قواه بمال كثير ، فخشي المنصور من ميله إلى إبراهيم ، لأنه - أي أبا حنيفة - كان وجيهًا ذا مال واسع من التجارة ، فطلبه لبغداد ولم يجسر على قتله بغير سبب ، فطلب منه القضاء ، مع علمه بأنه لا يقبله ، ليتوصل إلى قتله بذلك " ا.هـ( )
ومع أن المشهور أنه حبس وضرب ، لكن اختلفت الروايات ، هل كان سبب موته هو آثار الحبس والضرب ؟ أم أنه سقى السم في السجن فمات ؟
يروي لنا الموفق من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول ، أن أبا جعفر أمر أن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط ، فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى وأكثر الدعاء ، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات في الحبس مبطونًا مجهودًا ، فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس عليه ، وصلى عليه ودفن في مقابر الخيزران ( ).
ويروى داود بن راشد الواسطي " أنه حين تتابع عليه الضرب ، جعل يبكي ويقول : اللهم أدفع عني شرهم بقدرتك ، فلما أبى عليهم ، ضيقوا عليه الأمر في الطعام والشراب والحبس ، فلما أبي عليهم دسوا إليه فسموه وقتلوه " ا.هـ ( )
وفي مناقب ابن البزازي " أنه بعد أن حبس وضيق عليه مدة ، كلم المنصور بعض خواصه ، فأخرج من السجن ، ومنع من الفتوى والجلوس للناس ، والخروج من المنزل ، فكانت تلك حالته إلى أن توفى " ا.هـ ( )
وقد مال الإمام الذهبي إلى أنه مات مسمومًا ، فقال : " توفى شهيدًا مسقيًا في سنة خمسين ومائة " ا.هـ ( )
ومال الشيخ أبو زهرة إلى ترجيح الرواية الأخيرة ، لأنها تتفق مع سباق الحوادث ، وما عرف عن المنصور ، وذلك لأن المنصور كان لا يحب أن يظهر بمظهر المضطهد للعلم والعلماء ، وإذا كانت الحوادث قد اضطرته لإنزال الأذى بأبي حنيفة ، فقد وجد مبرراته ، والمنطق أن يكتفي بما يتفق مع هذه المبررات ، وهو إكراهه على القضاء ، فلم يكن التعذيب لمجرد الانتقام ، بل كان في الظاهر للحمل على القضاء ، ولم تؤد إلى نتيجة ، فلا يلج فيه حتى لا تظهر نيته ، والمعقول أن يكون من بين خواصه ، من يشفع لهذه الشيخوخة التقية ، التي لم يكن منها أذى للخليفة وإن خالفته ، ثم يجب أن يكون للعامة حساب يخشى ، فلا يسترسل في العذاب ، والرواة متفقون على أنه أوصى بأن يدفن في جانب من المقبرة لم يجر فيه غصب ، دون الجانب الآخر لأن غصب ، وما كانت تلك الوصية إلا وهو خارج السجن وقبيل الوفاة ، ولقد كان في منعه من الاتصال بالناس والتدريس ما يوجب اطمئنان الخليفة ، فلا معنى لاستمرار الحبس ، ولقد ذكر أن المنصور صلى على قبره بعد موته ، وما كان المنصور ليفعل ذلك لو مات في محبسه " ا.هـ ( )
قلت : وهذا هو ما يطمئن القلب إليه ، فرحمه الله رحمة واسعة ، وقد تولى غسله الحسن بن عمارة قاضي بغداد ، ثم صلوا عليه في جميع كبير بلغ الخمسين ألفًا أو أكثر ، وأعيدت الصلاة عليه ست مرات ، ولم يقدر على دفنه إلى بعد صلاة العصر من كثرة الزحام ، ودفن كما أوصى رحمه الله في الجانب الشرقي من مقابر الخيزران ، وجاء المنصور فصلى على قبره ، ومكث الناس يصلون على قبره أكثر من عشرين يومًا ( ) ، فرحمه الله رحمة واسعة ، وأجزل مثوبته ، وجمعنا معه في مستقر رحمته .
( ) أبو حنيفة حياته وآراؤه وفقهه للشيخ أبي زهرة (ص 380) .
( ) جامع المسانيد للخوارزمي (1/ 34 ) .
( ) المرجع السابق (1/ 34 ) .
( ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (13 /326 ) .
( ) الطبقات السنية للغزي ( 1 / 86 ) .
( ) المرجع السابق ( 1 / 87 ) .
( ) الطبقات السنية للغزي ( 1 / 86 ) .
( ) الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلم لعناية الله إبلاغ ( ص 6 ) .
( ) الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلم ( ص 7 ) .
( ) تاريخ بغداد (13 /330 ) .
( ) تأنيب الخطيب ( ص30 ) .
( ) الأنساب ( 2 / 356 ) .
( ) الجواهر المضية ( 1/27 ) .
( ) تأنيب الخطيب ( 31) .
( ) تاريخ بغداد (13/330) .
( ) الانتقاء لابن عبد البر (ص123) .
( ) تأنيب الخطيب للكوثري ( 31 ) .
( ) المرجع السابق ( 31 ) .
( ) المرجع السابق ( 31 ) .
( ) الضعفاء الكبير (1/304) .
( ) تأنيب الخطيب ( 31 ، 32 ) .
( ) المرجع السابق ( 30 ) .
( ) الآثار لمحمد بن الحسن تحقيق أبي الوفا الأفعاني ( 1 / 27 ) .
( ) أبو حنيفة حياته وآراؤه وفقهه للشيخ أبي زهرة ( ص 15 ) ط دار الفكر .
( ) الجرح والتعديل ( 2/145) .
( ) مناقب المكي (1/59 ) ، أبو حنيفة للشيخ أبي زهرة (20) .
( ) رواه البخاري في فضائل القرآن / باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( 9/ 89 ) رقم (5027) من حديث عثمان  .
( ) سير أعلام النبلاء ( 6 / 395 ، 397 ) .
( ) أبو حنيفة للشيخ أبي زهرة ( ص 42 ) .
( ) سير أعلام المحدثين ( ص 612 ) .
( ) أبو حنيفة للشيخ أبي زهرة ( ص 32 ، 32 ، 33 ) .
( ) مناقب المكي ( 1/56 ) ، تاريخ بغداد (13/333) .
( ) تاريخ بغداد ( 13/333 ) .
( ) أبو حنيفة لأبي زهرة ( ص 26 ، 27 ) بتصرف .
( ) وقد روى الإمام عن شيوخ آخرين ، من أراد الوقوف عليهم ، فليطالع ترجمة الإمام في عقود الجمان للعلامة محمد ابن يوسف الصالحي ، وترجمته في تهذيب الكمال للمزي ، وتبيض الصحيفة للسيوطي وغيرها من الكتب .
( ) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (14/250) ، ميزان الاعتدال (4/447) ، لسان الميزان (6/390) ، الثقات (7/645) .
( ) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (2/173) ، المجروحين (2/175) ، الميزان (3/516) ، تعجيل المنفعة (409) .
( ) انظر ترجمته في الثقات (6/339) ، الجرح والتعديل (3/608) الميزان (2/71).
( ) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (7/314) ، الجرح والتعديل (3/15) الميزان (1/491) .
( ) للوقوف على المزيد من الرواة ، يراجع عقود الجمان للصالحي ، وتهذيب الكمال للمزي ، وتبيض الصحيفة للسيوطي ، وغيرها من الكتب .
( ) تاريخ بغداد (13/337 ) ، مناقب المكي (2/27).
( ) تاريخ بغداد (13/346 ) ، مناقب المكي (2/31) .
( ) تاريخ بغداد (13/346 ) .
( ) تاريخ بغداد (13/346 ) .
( ) سورة المؤمنون آية رقم (50) .
( ) تاريخ بغداد (13/336 ) ، مناقب المكي (2/26) .
( ) تاريخ بغداد (13/336 ) ، مناقب المكي (2/26) .
( ) تاريخ بغداد (13/342 ) ، مناقب المكي (2/29) .
( ) ت

دكتور عبد الرحمن الأزهري
طالب علم حنفي
طالب علم حنفي

المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 20/05/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشأة المذهب الحنفي

مُساهمة  أبو عمر الأزهري في الأربعاء مايو 26, 2010 3:06 am

ما شاء الله دكتور عبد الرحمن زادك الله علما

أبو عمر الأزهري
مشرف
مشرف

المساهمات : 19
تاريخ التسجيل : 05/01/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشأة المذهب الحنفي

مُساهمة  ابومحمدحنفي في الجمعة نوفمبر 12, 2010 12:25 pm

جزاك الله خيرا يا دكتور الفاضل علي مجهودك الرائع
وبانتظار الجديد منك

ابومحمدحنفي
طالب علم حنفي
طالب علم حنفي

المساهمات : 6
تاريخ التسجيل : 12/11/2010
العمر : 31
الموقع : www.tushna.arabstar.biz

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشأة المذهب الحنفي

مُساهمة  ابو الحسنات في الثلاثاء أغسطس 16, 2011 12:25 pm

جزاک اللہ خیرا

ابو الحسنات
طالب علم حنفي
طالب علم حنفي

المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 16/08/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى